الذهبي
359
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
شغلا . وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي : أخبرنا أبو نعيم ، قال : رأيت داود الطائي وكان من أَفْصَحَ النَّاسِ وَأَعْلَمَهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ ، يَلْبَسُ قَلَنْسُوةً سَوْدَاءَ طويلة مما يلبس التجار ، وقد قال له أبان بن تغلب : هذا أعلم من بقي بالنحو ، ثم قال أبو نعيم : كان أبان غاية من الغايات . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ : قَالَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ لِسُفْيَانَ : إِذَا كُنْتَ تَشْرَبُ الْمَاءَ الْمُبَرَّدَ ، وَتَأْكُلُ اللَّذِيذَ الطَّيِّبَ ، وَتَمْشِي فِي الظِّلِّ الظَّلِيلِ ، فَمَتَى تُحِبُّ الْمَوْتَ . وَقِيلَ : إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ قَحْطَبَةَ الأَمِيرَ قَدِمَ الْكُوفَةَ فَقَالَ : أَحْتَاجُ إِلَى مُؤَدِّبٍ يُؤَدِّبُ أَوْلادِي ، حَافِظٍ لِكِتَابِ اللَّهِ ، عَالِمٍ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَبِالأَثَرِ ، وَالْفِقْهِ ، وَالنَّحْوِ ، وَالشِّعْرِ ، وَأَيَّامِ النَّاسِ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا يَجْمَعُ هَذِهِ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا إِلا دَاوُدُ الطَّائِيُّ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بشير : أخبرنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْجُعْفِيُّ قَالَ : كَانَ دَاوُدُ الطائي قد ورث من أمه أربع مائة دِرْهَمٍ ، فَمَكَثَ يَتَقَوَّتُ بِهَا ثَلاثِينَ عَامًا ، فَلَمَّا نَفِدَتْ جَعَلَ يَنْقُضُ سُقُوفَ الدُّوَيْرَةِ فَيَبِيعُهَا ، حَتَّى بَاعَ الْبَوَارِيَ وَاللَّبِنَ ، حَتَّى بَقِيَ فِي نِصْفِ سَقْفٍ . قَالَ عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ الْحَلَبِيُّ : عَاشَ داود الطائي عشرين سنة بثلاث مائة دِرْهَمٍ . وَقِيلَ : مَرِضَ دَاوُدُ ، فَقِيلَ لَهُ : لَوْ خَرَجْتَ إِلَى الرَّوْحِ تُفْرِحُ قَلْبَكَ ، قَالَ : إِنِّي لأَسْتَحِي مِنْ نَفْسِي أَنْ أَنْقِلَ قَدَمِي إِلَى مَا فِيهِ رَاحَةٌ لِبَدَنِي . وَيُقَالُ : عُوتِبَ فِي التَّزْوِيجِ فَقَالَ : كَيْفَ بِقَلْبٍ ضَعِيفٍ لا يَقْوَى بهمه يجتمع عَلَيْهِ هَمَّانِ ؟ ! . قَالَ إِسْحَاقُ السَّلُولِيُّ : حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَعِيدٍ قَالَتْ : كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ دَاوُدَ الطَّائِيِّ جِدَارٌ قَصِيرٌ ، وَكُنْتُ أَسْمَعُ حَنِينَهُ عَامَّةَ اللَّيْلِ لا يَهْدَأُ ، فَمِمَّا سَمِعْتُهُ